مقالة بقلم : أحمد جمال عشرى
لم يعد للحياة معنى منذ أن أصبحت إلكترونية، ولم يعد لقيم الصداقة والحب وغيرها من وجود منذ أن مسحها ذلك الصديق العدو الذي أقتحم حياتنا واختزلها في ذاته، عندما عرّف نفسه في بداية اللقاء بأنه صديقٌ عزيز وأخ كريم ستجده مساندًا لك في شتى الأمور لكن ما إن تعودنا وجوده حتى ألغى وجودنا وصرنا هامشًا في حياته، إنه الصديق العدو الذي يعطينا لكنه يأخذ أكثر، ويسعدنا لكن ليس بقدر ما يشقينا، ويطيل معنا اللقاء لكن ليس لأجلنا وإنما لأجل أن يسلبنا أنفسنا.. صديقي وعدوي الفيس بوك.
إننا لم نعد سوى مجرد كلماتٍ أو صور على صفحاته، ولم يصبح الواقع سوى خيال لا وجود له، لقد اضطربت مشاعرنا وصرنا – جميعًا– نعيش في حالة اكتئاب بسببه، فصديقنا يعرض لنا كافة الأخبار من كل العالم ويتلو أمامنا ما يحدث من حب هنا وسعادةٍ هناك وراحة في مكان آخر، وعلى صفحاته يُعرض العشق وتُباع كلمات الغزل، ويعطينا العلوم والفكر والفلسفة ويجعلنا نطير معه وكأن حياته هي الواقع. لكنه سرعان ما انقلب عدوى وعلى صفحاته عُرضت المشاكل وخرجت أسرار البيوت، وانقلب الحب فيه إلى سلعة تباع وتشترى، كلمات تجلب المزيد من الأعضاء فيأتي مع المزيد مزيد من الإعلانات ليتحول الحب إلى إعلان.
إن الحياة على صفحات الفيس بوك لم تعد سوى نكتة سمجة، وخيالاتٍ وأوهام ومزيد من الحيرة والألم والاكتئاب عند كثير من الشباب، إنني أشعر بالفخر والفرح والحزن والألم والسعادة والشقاء والحيرة والنقاء هكذا تكتب المشاعر على صفحاته وتلك قيمتها مجرد كلماتٍ لا معنى لها في الحياة الواقعية فنحن نفرح ونضحك ونوزع النكات، بينما لم نتحرك من أماكننا ولم نضحك في الواقع أصلًا، وربما كان الحزن يسيطر علينا في تلك اللحظة التي نغرق في الضحك على صفحاته ونشعر بالسعادة بين أصدقائنا الإلكترونيين، ونتمنى الموت والفناء والشقاء بينما نمسك بين أيدينا المحمول ونغرق في الضحك والعبث، أيُّ عبثٍ ذاك الذي أصبحنا فيه؟!
وأيُّ حياةٍ وهمية تلك التي نعيشها؟! إننا نحب من لا نراهم، ونكره من نعرفهم، ونقاطع من كان يومًا صديقًا، ونصادق من نجهله. ولهذا العالم الغريب قيمه وأفكاره التي تختلف تمامًا عن الواقع فللصداقة مثلًا مفهوم آخر عنده وللصديق الحق تعريفه الخاص، فالصديق الحق هو من إذا احتجته في بوست وجدته، ومن إذا طلبته في تعليق لم يتأخر، وتتجلى قيمة الصداقة الحقيقية وتبدو أسمى معانيها في المشاركة (الشير)، فذاك هو أفضل الأصدقاء جميعًا.
حينما تقرأ رائعة يوهان جوتة “آلام فرتر” لن تجد سببًا واضحًا لشقاءِ فرتر إلا انخراطه ودورانه حول نفسه وكتاباته، إنه يعكف على أوراقه ليل نهار يرسل خطابات لصديقه الذي لم نراه طوال أحداث الرواية، إنه لم يكن سوى صديق ورقي لا نعرفه ولم نر له حدثًا واحدًا يدل على لقائه بصديقه طوال فترة حب فرتر، إننا أصبحنا جميعنا كفرتر نكتب ونعكف على الكتابة مع تغير أدوات الكتابة ونضيف ما نشعر ونضيع أوقاتنا في الدوران حول أنفسنا دون إحساس بالواقع الذي يدور حولنا، وإني لأخشى ما أخشاه أن يصل الاكتئاب ببعض الشباب كفرتر ونصل لحالته الكارثية وينتهي العمر بأيدينا كمن داروا في فلك أنفسهم وسقطوا من تعب الدوران.

إرسال تعليق